
لعل الزائر لمدينة تنغير نهاية الأسبوع وهو يحتسي قهوته في زمن مبكر من يوم السبت يسترعي انتباهه شخص اعتاد السير متأنيا وسط الطريق، وهو يرافق قطيعا من الحمير يقل عددها أو يكثر حسب ما تجود به أيام الأسبوع، فتراه يداعبها في طريقه إلى السوق فرحا آملا أن يكون ربحه من بيعها وافراً، لكن عجلة السوق توقفت بتوقف وسائل النقل،
لعل الزائر لمدينة تنغير نهاية الأسبوع وهو يحتسي قهوته في زمن مبكر من يوم السبت يسترعي انتباهه شخص اعتاد السير متأنيا وسط الطريق، وهو يرافق قطيعا من الحمير يقل عددها أو يكثر حسب ما تجود به أيام الأسبوع، فتراه يداعبها في طريقه إلى السوق فرحا آملا أن يكون ربحه من بيعها وافراً، لكن عجلة السوق توقفت بتوقف وسائل النقل،
فعاد الرجل بتجارته البائرة، فارغ الجراب، وانتابه غم عظيم لم يألفه منذ أمد طويل، فانهال على رفاق دربه بالضرب والركل، فافرنقعوا وسط الطريق وهرب بعضهم ووجل البعض الآخر، واندهشوا جميعا من هذا السلوك غير المألوف وغير الحضاري، فبقي صاحبها جالسا على الطوار يفكر كيف سيقضي مع حميره هذا الأسبوع الذي سيعييه بالإطعام والرعاية كباقي الأسابيع الأخرى، فتنقل بصره من هنا وهناك يراقبها، وقام ليجمع شمله بشملها من جديد، حتى لا يضيع رزق أبنائه.
فعاد الرجل إلى بيته يمشي الهوينى مأزوما، فأعار رفاقه لحنا وحَنَّ عليها، ولولا الحياء لقال لها إنه يحبها ويعشقها ويموت فيها، فسارت معه في إخلاص وصبر ولم يعلم صاحبي أنها لِلَّيل حارسة وللسهد راعية، اتخذت السهر خصما زمنا طويلا تتلقى الأوجاع وتستنزف كنز الذات ولم تعلم ولو مرة كيف يُقرأ الشوقُ على الجبين أو كيف ينفذ الوميض إلى القلب…
فاحتسيت قهوتي منتظرا موعده يوم السبت كعادته، فلولا خوفي من أن يكون إحساسه قد تبلد وصبره قد نفذ لما دعوته يوما لحوار فضولي عميق لمعرفة أسرار وخبايا هذه الحيوانات التي ما خُلقت إلا للعذاب والصبر والاستخفاف، فربما لكونها لا يمكن أن تكون إلا حميرا…
حكاية قد تبدو للقارئ ورقية تخييلية أرمز بها لشيء آخر، لكنها حقيقة معيشة في عصر الزيف والرماد، زمن أضحك العبد وأذل الحر…
فمعذرة للقارئ الكريم إن خدشت هذه المقالة شعوره وربما تساءل بقوله ألم يجد هذا الكاتب غير الحمير موضوعاً؟ فأقول يجب أن نتعلم كيف نختلف في المكتوب والمقروء والمأكول والمشروب… بل أود أن يجد القارئ متعة قراءة غير المألوف وغير المعتاد ليكون مختلفا متنوعا.