
كثيرة هي البنايات التي لم تستطع الحداثة أن تمحو آثارها في البلاد أو تمحو وقعها على العباد ؛لأنها حفرت لنفسها أخدودا في مخيلة الإنسان، حيث خرجت من الإطار الجغرافي المعهود إلى الإطار المخيلي الذي لا يستطيع أحد أن يتدخل لمسح أو مسخ معالمه. بنايات ظلت شامخة رغم مرور الأحقاب؛ تركت الناظر والمشاهد يحلم بماض انتهى ولم ينته أثره.
وساكن المناطق الجنوبية الشرفية أو الغربية لسفوح الأطلس أو الواحات عموما لا يمكن أن يستهين أو يستخف أو يتجاهل ما تتركه كلمة(إيغرم) أو القصر- حسب المناطق- من أثر في الوجدان؛ فهو مكان الحديث والمسامرة، وعقد الاجتماعات في السقيفة، وهو مكان الانتماء والأنفة والعز، له مدخل واحد، يحرس بابه العظيم شخص يدعى(أدواب) كما يحرس أبو الهول مصر وأهراماتها ، .الباب يحمي الناس من اللصوص المتجبرة ومن السطو المنظم في عهد السيبا، كما يحمي الناس في متخيلهم الشعبي من بغال المدينة والأرواح الشريرة يسكن الناس القصر وهم أسرة واحدة ؛ يقفل الباب الكبير على فرحهم وعسرهم وشدتهم ، يتألم الواحد في المدخل ويحن قلب الجار في قعر الدرب ، يتجمع الناس في المواسم والأعياد، وتعاد الذكريات وتتكرر الأحداث فتطاوعك الذكرى بحرقة وألم وكرب فتغيب الكلمات الصغيرة وتنعدم الروابط .
آخي المغترب عن دفئ هذه الأمكنة باشر الحفر في أعماقك للوقوف على حقيقة نفسك ولا تجهد نفسك بجر ما أنت غير قادر على جره، أو تجعل نفسك عرضة للسوط الذي تلوح به الأيادي عليك ، ولا تتعب أحاسيسك بكلمات جارحة وعبارات نارية جحيمية ،تحرق بها نفسك وتذبل بها جفونك الطرية، فكر في العودة لتستريح، وكن متيقنا فلن تجد إلا العناق تلو العناق لأن أرض الغير ترد أقدامك بعنف و باب( إيغرم ) يمد أياديه لاحتضانك
أخي المغترب أما زلت تعش نشوة العيد وأنت تصافح الوجوه التي حجت إلى المصلى صباحا وتشاهد تبضع الأطفال ، ل(الحمص) اليابس من بعض الدكاكين وما زادته الديدان المعششة فيه إلا لذة لا تعادلها لذة ..ألا تعش معي نشوة الأعراس الأسطورية التي يجهلها الكاتب المتخصص( عبد الفتاح كليطو ، والمشتغلين في السر ديات) ؛ ليال غريبة بدندنة الطبول (والبنادر) بنغماتها الرقيقة،التي يرتجف لصوتها راقص وراقصات أحيدوس والمستمعين المتذوقين لفنون(إزلان ) فيمضى هزيع الليل كما يشاء لا كما تشاء أنت...وأنا .. ... والأخرى..
ترى في زاوية منسية من البيت طفلا يعلو وجهه الغبار والنوم يمايله ، فتتطاير أصوات الضحك من هنا وهناك بارتشاف الشاي ، في كؤوس تكالبت على تقبيلها العديد من الشفاه ، فيمضي الليل في شجن عجيب حتى سماع الآذان. أما الآخر فقد شق طريقه لفراشه المغبر ، خلسة لتجنب أسئلة الأم التي تظهر حذاقتها أمام الأب لتنال إعجابه وتكبر في عينيه بعد أن تستفسره عن تأخره حتى الصباح....دون أن ينبس بكلمة خوفا من رعد وبرق الأب الذي لا يعرف للهدوء طريقا في مثل هذه المواقف......
حكايات تتخذ عادة ساحة باب إيغرم أو داخل السقيفة فضاء مكانيا لها ،فتشعرك –أخي القارئ-بهزة عنيفة ترعبك وتخيفك لأنك هجرت مكانك وعوضته بآخر، واستمرت إشكالاتك في لغة جديدة متنوعة ومتعددة، فرغم تبديل كلمة إيغرم بكلمات أخرى (غورنغ أو غورن ، أو أتكفييت أو أتسرحت ) يبقى باب القصر ذاكرة حاضرة رغم الاعتقاد بأنها في طي النسيان ....
صارح نفسك يوما بالعودة إلى الأصل والشرف والعز، فالأرض لمن يموت من أجلها ويسير عليها ،لا لمن يركب سفن الهجر والفرار ...أتوسل إليك -يا أخي – أن تعود لأهلك وعشيرتك، فأمك وأمك ثم أمك العجوز التي اختار المرض جسدها موطنا له دون غيره، أ ذبلت عينيها بكاء في انتظار الذي يأتي ولا يأتي ، يصرخ الزمان برياحه، أنك لن تعود لكنها مصرة على البقاء....والأب الذي لوى الزمان يده على العصا، ينتظر بلا كلل، عد لبلدك على حمل حديث(سيارة..) أو حتى مشيا على الأقدام قبل أن تعود إليها على نعش من خشب نقش عليه اسمك ورقم بطاقة هويتك، نعش شمعوه بإحكام، حتى لا تفوح رائحتك النتنة، وبلون أخضر كتبت عليه عبارة: لا اله إلا الله سيدنا محمد رسول الله(ص) .
و لك مني يا أغلى من نفسي كل تحية
ذ.زايد جرو. تنغير
POUR IZLANZIK.TV
|